Monday, April 21, 2014

مِصْرُ تُحَدِّثُ مُرَشّحَاهَا

مِصْرُ تُحَدِّثُ مُرَشّحَاهَا
        دائما ما تأتى الإنتخابات الرئاسية مرتديةً لِباس العُرس ، فتأخذ البلاد زينتها ، ويُخَفِّفُ الأمن من قبضتِه فَيسمح بِالقليلِ المُفيد مِنَ التّجاوز ، والناس يراوِدُهم الأمَلُ والنّشْوة وكأنهم سُكارى وما هم بِسُكارى ، والسُّلطةُ مبتسمةٌ وكأنّهم يُعيدونَ إلى الشعبِ السُّلطة ، ثم لا يَلبثوا أنْ يستردوها مرةً أُخرى بعد إعلانِ النتيجة .
        ولكنّ الأقدار شاءت أنْ تَدْخُلَ مصر الإنتخابات هذه المرة لابِسةٌ لِباسَ الحزن ، فَلا زينةٍ ولا أفراح ، وإنما حُزنٌ فيما يُشبِهُ البكاء ، وتَراشقٌ بالألفاظِ والعِبارات ، بَينَما المُرشحون فى حالةٍ نادرة من دَمَاثَةِ الخُلق ، حتى أنّ أَسْلَطَهُم لسانًا ، فى نَدوةٍ منذ أيامٍ معدودة لم يَخرج فيها العَيْبُ من بين شفتيه ؛ بَينما المؤيدون فى حالة إستنفارٍ عَصبى ، يتنازعون الساحات لمرشحيهم بالقولِ ، الذى نأمل أن لا يصل إلى حدِّ الفعل .
        والحَملة فى مُجملِها قد لا تجاوز المطبعةُ والتلفزيون ، فهى قصيرةُ المُدة ، تَتسِمُ بالحذر الشديد من الأمن والمرشحان ، وقد يرقى أحيانا الحذرُ إلى التربص .
        وفى وسط هذا كلة يُحَدِّثُ الشعبُ مُرشحَاه بطلباتٍ تراها فى عين كلٍ منهم دون أنْ يلفظَ بِكلمةٍ واحدة ، فى صمتٍ تَراهُ يَسبقُ العاصفة ، فيما يبدو الفُرصَةُ الأخيرة لحاكمٍ للوطن أنْ يُحْسِنَ العمل من أول يومٍ لَهُ ، فلا يقدِّمُ له الأعذار عن تردى الأحوال ، حتى وإنْ حدَّدَ له المسئولُ عنها ؛ وإنما يُقدمُ لَهُ كلَّ يومٍ من أعمالِه التى حَسّنَتْ حالًا من أحوالِ المواطنين . والحديث هنا للنتائج لا الشعارات مهما كان بريقُها .
        ويخدعُكَ مَنْ قَالَ لك اخْطُبْ الرئيسُ القَوىّْ ، فأنّ قُوتهُ سَتَفرِضُ الهدوء والأمن ؛ فَاعْلَم أنّكَ قوىٌ ما دامَ الحقُّ ظهيرًا لك ، والعدلُ بِيَمينك ، والرَّحمَةُ بِيسارك ؛ واعلم بِأنّه إنْ سَقَطَتْ إحدَاها زَاغَت القُّوة معها .
        إنّ الإقتصاد أصبح عِلمًا متسع الأطراف ، خطير الأثر ، وقد مضى زمنٌ قال فيه أحدهم أنّهُ قرأ كتابين فى الإقتصاد فأصبح خبيرًا إقتصاديًا ؛ فلا بديلَ عن الإستعانة بِالخبراء ، مع عدم فرض أو تحديد أيديولوجياتٍ سياسية عليهم تعلو على قرارهِم العِّلمىّْ ، بحيث يكون الإصلاحُ للإصلاحِ وليس للسياسةِ .
        إنّ الحريات العامة والخاصة هى السبب المباشر فى إطلاق إبداعات البشر ، وهو تحديدًا ما تحتاجه مصر اليوم ، وليس غدًا .
        الحرياتُ هى ما تَقَدمَتْ به الدول المُتقدمة ، وهِىَ ما إنزلقَتْ بِفُقدانِها الإمبراطوريات العظيمة فى العالم ، وهى نفسُها ما تَقدمَتْ بها مِصر فى نِهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، ويكفى أنْ يُعدِّدَ كلٌ مِنا فى بَالِه الهَامَات العالية من المفكرين والأدباء والصناع والفنانين فى هذه الفترة ؛ وهى نَفسُها مَا تَأخرت بِه مصر بفقدان الحريات فى النصف الثانى من القرن العشرين . أمّا العُنف والقهر فهو عدوُ الآدمية الأول من قديم الأزل ، وما إتخذته أمةُ سبيلًا إلّا وهلكت ؛ وقد تَجدر مراجعة السنوات الثلاثة الأخيرة من التجربة المصرية ليَتضح لنا أنّ من يتمسك بهما لا ينجى .
        ليسَ الحلُ بهما ولا حتى بِالوِفاق والمُصالحة ، إنما بالإقتصادِ وحده تهدأ الأمور ، وينطلق كلٌ إلى هَدفِه وصَالحِه وصالح أسرته ، فيصبحُ محركًا لتقدمِ الأمة .
        هذا ما تُحَدِّثُ بِه مِصر رئيسها المقبل .
            



No comments:

Post a Comment